الشيخ محمد رشيد رضا
515
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * على القول المشهور الذي عليه الجمهور ، وأما الانذار فقد يوجه إلى المؤمنين المتقين على معنى أنهم هم الذين ينتفعون به كقوله في سورة فاطر ( إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) وقوله في سورة يس ( إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) بناء على هذا قال بعض المفسرين إن قوله تعالى ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) متعلق بالوصفين على معنى أن المؤمنين هم الذين ينتفعون بانذاره فيزيدهم خشية للّه واتقاءا لما يسخطه ، وبتبشيره فيزدادون شكرا له بعبادته وإقامة سننه . وقال بعضهم إنه متعلق بالثاني المتصل به ويدل على حذف مقابله فيما قبله . والتقدير : ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين ، ووجهه أن المقام مقام التبليغ ، وهنالك وجه ثالث وهو أن البشارة للمؤمنين خاصة لاتصالها بهم ، والانذار عام لهم ولغيرهم ، وقد عرف وجهه مما فصلناه وقد ورد في مثل هذا من حصر وظيفة الرسول بالانذار والتبشير بلفظيهما معا أو بأحدهما وبلفظ التبليغ الجامع لهما آيات كثيرة بعضها بالاثبات بعد النفي كما هنا وبعضها بأنما ، والحصر بكل منهما أقوى النصوص القطعية الدلالة ، ومع هذا التكرار والتوكيد كله يأبى غلاة الإطراء للرسل ولمن دون الرسل من الصالحين حقيقة أو توهما إلا أن يشركوهم مع اللّه سبحانه وتعالى في صفات ربوبيته وأفعاله قال تعالى في سورة سبأ ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) وقال في سورتي الاسراء والفرقان ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) * وقال في سورتي الانعام والكهف ( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) * وقال في سورة النحل ( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) وفي سورة يس حكاية عن الرسل ( وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) وفي سورتي النور والعنكبوت ( وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) * ( فان قيل ) إن الحصر في هذه الآيات وأمثالها إضافي فان من وظائف الرسل بيان الوحي والحكم بين الناس كما قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ) وقال عز وجل ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) والبيان يكون بالافعال كالأقوال بل الافعال أقوى دلالة وأعصى على تأويل المحرفين . وكما قد